السيد محمد تقي المدرسي
8
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وقلب المؤمن يعمر بالسلام ، ولسانه يلهج بالسلام ، وتحيته عند ذكر الأنبياء وعند لقاءه اخوانه السلام ، وعند دخول الدور وفي الجنة . وهكذا نستوحي من هذه البصائر ؛ ان السلام مثل أعلى للحياة ، والطوبى التي يسعى إليها المؤمنون ويدعون ربهم تحقيقها . وهي كلمة عليا ، وصبغة البركة والرقي ، والكرامة والطيب . . وهذه الكلمة المثلى تتصل بكلمة الأمن الذي من دونه لن يتحقق السلام ، وبقيمة الحق الذي ينظم علاقات البشر ببعضهم وبسائر ما خلق الله . . ولا سلام ولا أمن ولا حق من دون العدل ( وهو إيتاء الحق لأهله ) . فالعدل إذاً غاية مثلي للحياة الطوبى . ومن السلام والأمن والحق والعدل ، احترام النفس البشرية ( الا تزهق بغير حق ) . ولابد من حرمة النفس من حصن يحافظ عليها ، ومن أنظمة تحيط بها وتوفر لها الأمن ( القصاص ) ، ومن احساس بالمسؤولية ( الحفظ ) . وإذا توفر الأمن ، فلابد من يوفر وسائل الحياة من رزق كريم ( الطعام والشراب ) ، ومن سكن مناسب ، ومن صحة وتعليم . وفي حدود المدنية المؤمنة يتعاون الناس بعضهم مع بعض ، في اطر حضارية وأخرى فطرية . ففي الإطار الحضاري تجد التلاحم بين المؤمنين ، حتى وكأنهم أعضاء جسد واحد . واما في الإطار الفطري ، فان الأسرة هي المؤسسة الأولى التي تشد الآصرة الطبيعية التي يباركها الشرع وينظمها . ومن الأسرة البنين ، وتتوسع هذه العلاقة إلى أن تشمل الأسرة الكبيرة ضمن قيمة صلة الرحم . وهكذا تتماوج كلمات النور من ينبوع السلام والحق والعدل ، فتترامى حتى تضئ رحاب المدنية المؤمنة ، والمدينة المثلى . وفيما يلي نستعرض هذه الكلمات واحدة واحدة ، بالنظر إلى ترابطها واتصالها ببعضها ، لنرى كيف انها تشكل معاً روح التشريع الاسلامي التي لو تبصرها الفقيه حقاً تيسر له استخراج الأحكام الشرعية ، خصوصاً في القضايا المستجدة ، والله المستعان .